سيد محمد طنطاوي
207
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي : القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، وأقرض فلان فلانا ، أي : أعطاه ما يتجازاه واستقرضت من فلان أي : طلبت منه القرض فأقرضنى ، واقترضت منه أي : أخذت منه القرض . وأصل الكلمة : القطع . ومنه المقراض ، وأقرضته ، أي : قطعت له من مالي قطعة يجازى عليها . ثم قال : والتعبير بالقرض في هذه الآية ، إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، واللَّه هو الغنى الحميد ، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض ، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء » « 1 » . والقرض الحسن : هو الإنفاق من المال الحلال ، مع صدق النية ، دون رياء أو سمعة . أو منّ أو أذى مع تحرى أوسط الأموال . والاستفهام : للحض على البذل والعطاء ، والتحريض على التحلي بمكارم الأخلاق . و * ( مَنْ ) * اسم استفهام مبتدأ ، و * ( ذَا ) * اسم إشارة خبره ، و * ( الَّذِي ) * وصلته صفة لاسم الإشارة ، أو بدل منه . والمعنى : من هذا المؤمن القوى الإيمان ، الذي يقدم ماله في الجهاد من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، وفي غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين ، وسد حاجة البائسين . . . * ( فَيُضاعِفَه لَه ) * أي : فيعطيه - سبحانه - أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة . * ( ولَه أَجْرٌ كَرِيمٌ ) * ، أي : ولهذا المنفق - فضلا عن كل ذلك - أجر كريم عند خالقه ، لا يعلم مقداره إلا هو - تعالى - . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على ألوان من الحض على الإنفاق في وجوه الخير . ومن ذلك التعبير بالاستفهام في ذاته ، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبر والاستجابة . ومن ذلك - أيضا - التعبير بقوله : * ( مَنْ ذَا الَّذِي ) * . . إذ لا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر ، وكأن المخاطب لعظم شأنه ، من شأنه أن يشار إليه ، وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم الموصول . ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرضا ، ولمن هذا القرض ؟ إنه للَّه الذي له خزائن السماوات والأرض .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 3 ص 239 .